في إرتباط الفعل بالإرادة
إذا كان الإنسان هو من يقوم بالفعل فهل قيامه بالفعل يعني نسبة الفعل إليه مع ما يترتب عن ذلك من مسؤولية؟ وإذا نظرنا إلى الأمر من حيث علاقة الإنسان بخالقه فإلى من ينبغي أن تسند الأفعال إليه؟ إلى الإنسان باعتباره خالق لأفعاله؟ وفي هذه الحالة ما موقع المشيئة و الإرادة الإلهية؟ أم تسند اىلفعل إلى الله باعتباره عالما قديرا خالق الفعل وفاعله؟ وفي هذه الحالة ما موقع الإرادة والمسؤولية الإنسانية؟ وبفهم هذه المسائل ظهرت عدة مواقف وفرق كلامية. منها:
أولا : موقف الجبرية
ومن أشهر فرقهم الجهمية، نسبة إلى جهم بن صفوان ويتخلص موقفهم في أن أفعال العباد مقدرة عليهم وأنه تعالى وحده هو الفاعل القادر لاختصاصه وحده دون العباد والمخلوقات بالقدرة. ولقد صاغوا موقفهم هذا بحجج عقلية وأخرى نقلية. فمن الحجج العقلية فكرة التنزيه المطلق وتقتضي باستحالة اشتراك الله والمخلوقات في نفس الصفاتخلافا لما يدعي عليه المشابهة والمجسمة، فإذا كان الله سبحانه وتعالى خالقا قديرا محييا ومميتا انتفت هذه الصفات عن الإنسان ومنها صفة القدرة وما نسب إلى الإنسان الأفعال كان ذلك على سبيل المجاز كأن تقول تحركت الشمس أو نمت الشجرة والفاعل لذلك حقيقة هو الله تعالى.
أما أدلة النقلية فهي الآيات القرآنية التي تثبت لله القدرة والإحاطة والعلم الأزلي بماكان وسيكون.. إذن فأفعال الإنسان إنما تسند إلى الله لا إلى الإنسان المجبور المسير، ويقول الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: “الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالإستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله لاقدرة له ولا إرادة ولا الإختيار، وإنما يخلق الله الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات كأن يقال جرى الماء وتحرك الحجر ودليلهم على ذلك أن الله تعالى هو الملك المطلق الذي لا شريك له في ملكه فله الحق في التصرف فيه بخلق أو تدبير أو ما شاكل ذلك فإذا انتسب الأفعال إلى غير الله نيبة حقيقية لزم منه وجود شركاء له وهذا مخالف والأيات القرآنية التي تنسب بظاهرة أفعال العباد إلى الله مثلا: “وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلـُوْنَ “[1].
ثانيا : موقف المعتزلة.
يترك موقف الجبرية السؤال معلقا حول مسؤولية الإنسان عن أفعال مقدرة عليه مجبور عليه وقد رفع المعتزلة هذا الؤال في وجه كل من أنكر قدرة الإنسان على خلق أفعاله أما القول عندهم فهو أن أفعال العباد مخلوقة لهم ومن عملهم لا من عمل الله وصادرة عنهم باختيارهم المحض فلهم أن يفعلوها أو أن يتركوها من غير دخل بأرادة الله وقدرته وقد صاغوا في إثبات ذلك أدلة كثيرة عقلية ونقلية. ومن أدلة النقل قوله تبارك وتعالى: ” إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” وقوله تعالى : ” فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” .
أما أدلة العقل فكثيرة منها ما يشعر به المرؤ من التفرقة بين الحركة الإضطرارية كالسقوط إذا زلت قدمه والحركة الإختيارية كالوقوف والجلوس. فالأول لا دخل للإنسان فيها أما الثانية فمقدرة من الإنسان مرادة له ثم لو لم يكن الإنسان خالق لإفعاله لبطلت التكليف ثم لا مكان للثواب والعقاب معنى فهو لا يقال له إفعل أو لا تفعل إلا لأنه قادر على أن يفعل أولايفعل كما أن أفعال العباد تشمل الخير والشر فالله يريد ما أمر به من خير ولا يريد ما نهى عنه من شر ويعتبر موقف المعتزلة نتيجة منطقية لمبادئهم الخمسة وخاصة مبدأ العدل ومفاده أن الله كما تميز بوحدته في ذاته يتميز بوحدته في أفعاله فلا يصدر عنه إلا العدل والحسن والأصلح للعباد وفعله واحد لا يخرج عن مقتضى الحكمة التي الصواب والإتقان في الخلق والتدبير والمصلحة للمخلوق. ولوجاز عليه فعل القبيح لارتفع الوثوق بوعده ووعيده ولارتفع الأحكام الشرعية ولانتفى الغرض المقصود من بعث الأنبياء والرسل. وسمي الموقف الإعتزالي تفويضالأن القائلين به لم يعتقدوا أن لقدرة الله مدخل ولو كان غير مباشر في خلق فعل الإنسان فكأن الفعل فوض أمروجوده إلى الإنسان وبقدرته وحده وعلى هذا الأساس فالإنسان هو المسؤول عما يفعل وما يقترفه يقترفه بمحض إرادته والله لا يفعله ولا يريده وهو مستغنى عن ذلك.
ثالثا : موقف الأشاعرة
إذا كان موقف الجبرية ينتهي إلى إنكار فاعلية الإنسان فإن موقف المعتزلة يقول بما يشبه الحد من القدرة الإلهية مادام هناك أفعالا إنسانية أي حوادث خارجة عن خلق الله ومشيئته، ويتجاوز هذا التناقض اتخذ الأشاعرة موقفا وسطا توفيقيا منتقدين بالأخص مقولة العدل عند المعتزلة التي توجب على الله أن لا يفعل إلاالصلاح و الأصلح وبالمقابل يرى الأشاعرة العدل على أنه تصرف في الملك بمقتضى المشيئة. فعدل الله وإرادته مطلقتان غير مقيدتان بفعل الصلاح و الأصلح وإلا فأي صلاح في خلق الشياطين وإعطائهم القدرة على إغواء الإنسان؟ إذن فإرادة الله مطلقة تشمل الخير والشر معا وكل ما يقع في الكون لا يخرج عن مشيئته ولكن حتى لايكون الإنسان مجرد ريشة في مهب الريح أخرج الأشاعرة ما يعرف بنظرية الكسب، ومفادها أن الأفعال يخلقها الله ويكسبها العبد وأنها ثمرة الإقتران بين الإرادتين - الإلهية والإنسانية من دائرة الجبر – وقد لخص الغزالي ذلك بقوله : ” إن الإنسان مجبور بالإختيار ” ولما اعترض بعض المتكلمين بأن النظرية غامضة بعض الشيء أجاب الغزالي بقوله : ” نقول قتل الأمير فلانا والمقصود أن الجلاد هو الذي قتله فالجلاد قاتل بمعنى والأمير قاتل بمعنى آخر ” وفي تقديم كل هذه الأراء حاول ابن مسكويه أن يعطي إجابة عن مسألة الفعل الإنساني بين الجبر والإختيار في كتابه ” الهوامل والشوامل” كما يلي:
نظرية ابن مسكويه
يقول ابن مسكويه :” إن الفعل الإنسان تصدر عنه حركات وأفعال كثيرة لا يشبه بعضها بعضا وذلك أنه يظهر منه فعل من حيث هو جسم طبيعي فيناسب فيه الجماد، ويظهر منه فعل آخر من حيث هو نام مع أنه جسم طبيعي فيناسب بذلك النبات، ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ذو نفس وحساس فيناسب بذلك فعل البهائم، ويظهر منه فعل آخر من حيث هو ناطق مميز فيناسب بذلك فعل الملائكة. وكل واحدة من هذه الأفعال والحركات الصادرة عن الإنسان أنواع كثيرة وإليها دواع ولها أسباب وينظر فيها من جهات مختلفة وتعلو لها عوائق كثيرة وموانع بعضها طبيعية وبعضها قهرية وأخرى اتفاقية. ومتى لم يفصل الناظر في هذه المسألة هذه الأفعال بعضها عن بعض أو لم ينظر في جهاتها كلها اختلطت عليه هذه الوجوه والتبس عليه وجه النظر فيها فعرضت له الحيرة وكثرت عليه الشكوك”.
ويقول ابن مسكويه أيضا:” ونحن نبين هذه الحركات ونميزها ثم نتكلم عن حقيقة الجبر والإختيار، فالفعل مع اختلاف أنواعه وتباين جهاته يحتاج في ظهوره إلى أربعة أشياء:
أ- الفاعل الذي يظهر منه
ب- المادة التي يحصل فيها الفعل
ج – الغرض الذي ينساق إليه
د- الصورة التي يقوم الفاعل اتخاذها في المادة.
فهذه الأشياء الأربعة ضرورية في وجوب الفعل وظهوره وقد يحتاج إلى الزمان ولكنه ليس ضروريا في كل فعل ولكن هذه الأشياء الضرورية تنقسم إلى قسمين: فمنه قريب ومنه بعيد. أما القريب فبمنزلة الأجير الذي ينقل آلات البناء في اتخاذ الدار والفاعل البعيد بمنزلة المهندس الذي يهندس الدار ويأمر بها ويتقدم بجميع آلاتها وأما الهيولة ( المادة )القريبة فبمنزلة الأجر للحائط والخشب للباب والهيولة البعيدة بمنزلة العناصر الأولى.
وأما أنواع الأفعال فإنما اختلفت بحسب أنواع القوى الفاعلة التي في الإنسان وذلك أن لكل واحدة من القوى الشهوية والغضبية والقوى الناطقة فعل خاص لا يصدر إلا عنها وأما الأسباب والدواعي فبعضها الشوك والنزوع وبعضها الفكر والروي وأما العوائق فبعضها اتفاقية وبعضها طبيعية وبعضها قهرية، فالإتفاقية بمنزلة من يخرج أو ينهض فيعثر ويقع في بئر والقهرية بمنزلة من يقيده السلطان ليمنعه من السعي أو الهروب منه والطبيعة بمنزلة السكتة القلبية وها هنا نظر آخر في الفعل ينبغي أن نتذكره وربما نظرنا في الفعل لامن حيث ذاته ولكن من حيث إضافته إلى غيره مثال ذلك قد ننظر في فعل زيد من حيث هو طاعة لغيره أو معصية ومن حيث أنه يحبه عمر ويكرهه خالد ومن حيث كونه ضارا أو نافع وهذا النظر لا يكون في الفعل بل بالإضافة إلى غيره وإذا نظرنا في الفعل وأنواعه وجهاته وحاجته ووجوده فإنا ناظرون بالضرورة في الإختيار والإختيار حسب مسكويه استقاق من حيث اللغة من الخير أي فعل ما هو خير له بالحقيقة فالفعل الإنساني يتعلق به من هذا الوجه وهو ما صدر عن فكر منه وإحالة رأي فيه ليقع منه ما هو خير له ومعلوم أن الإنسان لا يفكر ولا يعمل رأيه في الشيء الواجب ولا في الشيء الممتنع وإنما يفكر ويعمل رأيه في الشيء الممكن أي الشيء الذي ليس بممتنع وإذا فرض وجوده لم يفرض عنه محال.
ولما كانت هذه الجهة من الفعل هي المتعلقة بالإختيار وهي التي تخص الفعل الإنساني وكانت محتاجة في وجود الفعل إلى تلك الشروط كأن النظر فيها للغلط وإذا نظر بحسب جهة من جهات الفعل وخلى النظر في الجهات الأخرى يكون الحكم على الفعل الإنساني بحسب تلك الجهة وذلك بمنزلة من ينظر في الفعل من جهة الهيولة المختصة به التي لابد لهافي وجوده منها ويتخلى عن الجهات الأخرى ا لتي هي ضرورية كالورق للكاتب فإذا نظرنا في فعل الكاتب من هذه الجهة يعني تعذر الورق عليه وظن أنه عاجز عن الكتابة من هذه الجهة عن الفعل من أجله.وهذه لم تتعلق به من حيث كونه كاتب ومختار للكتابة وكذلك انعدم القلم حينئذ يبادر هذا الناظر بالحكم على الإنسان بالجبر ويمنع من الإختيار وكذلك تكون حال من ينظر في فعله من حيث كونه مختارافإنه إذا نظر في هذه الجهة وتخلى عن الجهات الأخرى التي هي أيضا ضرورية في وجوده فإنه سيبادر إلى الحكم عن الإنسان بأنه فاعل متمكن ويمنع من الجبر وهذا حال كل شيء مركب عن بسيط فإن الناظر في ذلك المركب إذا نظر فيه بحسب جزء من أجزائه الذي تركب منه وترك أجزائه الباقية تعرض له الشكوك الكثيرة من أجزائه الباقية التي ترك النظر فيها والفعل الإنساني وإن كان اسمه واحد فوجوده معلق بأشياء كثيرة لا يتم إلا بها فمتى لاحظ الناظر فيه شيئا واحدا وترك بقية الأشياء ساورته الشكوك من تلك الأشياء التي أغفلها والرأي الصحيح هو النظر لكل واحد منها ونسب الفعل إلى الجميع حتى لا يجعل الفعل الإنساني اختيارا كله ولا تفويضا كله فإن من زعم أن الفعل الإنساني يكفي في وجوده أن يكون الفاعل ممتمكنا من القوى الفاعلة بالإختيار فهو غلى من حيث أنه أهمل الأشياء الهيولانية والأسباب القهرية والعوائق عنه وتحصل له الأشياء الهيولانية فهو مقصر من حيث أنه أهمل القوى الفاعلة بالإختيار وهذا يؤدي به إلى الجبر لأن الإنسان إذا امتنع عليه فعله لنقصان بعض هذه الأشياء التي هي ضرورية أو اتفاقية أو قهرية فهو منسوب إلى تلك الجهة مثال ذلك أنه إن كان امتنع من الفعل لنقصان الهيولة أو أحد الأشياء الأربعة الضرورية فهو عاجز وإن امتنع لعائق قهرية فهو معذور من تلك الجهة.
فأما من حصرته القوى الفاعلة بالإختيار وارتفعت عنه تلك الموانع ثم كان الفعل مما ينظر فيه عن طريق الإضافة أن يكون طاعة لمن تجب طاعته أو غير ذلك من وجوه الإضافات الواجبة ثم امتنع من الفعل فهو ملوم غير معذور لأنه قادر متمكن ولأجل ذلك تلحقه الندامة من نفسه والعقوبة من غيره وهذه الجهة التي تخص الإنسان من جهات الفعل المتعلقة بالفكر وإعمال الرأي المسمى بالإختيار وهي ثمرة العقل ونتيجته ولولا هذه الجهة لما كان الوجود العقل فائدة بل يصير وجوده عبثا ونحن نعلم أن العقل أجلّ الموجودات وأشرف مامنّ الله به ووهبه للإنسان.
23/10/2007
آراء الفلاسفة في ارتباط الفعل بالإرادة
يرى ابن رشد أن تصور العالم منذ الأزل في تغير مستمر فإيجاد ما يوجد ليس إلا خروجا من القوة إلى الفعل إلى القوة فليس هناك إيجاد من عدم ولا عدم بعد وجودوإنما كل ما يحدث في الكون إن هو إلا الترديدبين طرفين هوالفعل وعملية الإخراج إلى الفعل تشترك في إنجازها الذات والموضوع معامن أجل أن يحقق العقل كل أبعادالوجودية والمعرفية والوجودية أي أن عملية الإخراج إلى الفعل تكون مناسبة لتحقق المتبادل بين الذات والموضوع فتتجلى الذات فعالة من خلال الموضوع كما يتجلّى الموضوع مؤثرا وفعالا من خلال الذات. فالمعقولات تخرج العقل الإنساني إلى الفعل أي أن العالم الخارجي هو الذي يستنفر أي بالأحرى يستفز العقل الإنساني لكي يباشر عملية المعرفة، إذن فمهمة الفيلسوف كما يرى ابن رشد هي إدراك الحقيقة ومعرفتها والوقوف على مضمون سرها والقول بأنه لا سبيل إليهاوليس في إمكان معرفتهاخطأ محض إذ أن إدراكهاوإن استعصى على العامة لابد من وجود طائفة من الفلاسفة المؤهلين لإدراك تلك الحقيقة. ويختلف ابن رشد في هذا مع رأي الصوفية في طريق الوصول إلى هذه الحقيقة من مجرد الإعراض عن الشهوات بل رأى أنه لايمكن الوصول إلى ذلك إلا عن طريق العلم والنظر، وقد استشهد في ذلك بعدة آيات قرآنية في كتابه ” فصل المقال ” لذلك كان المنطق هو الذي يمهد السبيل أمام معارفنا لنرتقي من الجزئيات المحسوسات إلى هذه الحقيقة العقلية المجردة، يقول ابن رشد في كتابه”ماوراء الطبيعة”: ” إن الدين الخاص بالفلاسفة لهو درس الموجود والكائنات ذلك أن أشرف عبادة تقدم لله هي معرفة مخلوقاته ومصنوعاته لأن ذلك بمثابة معرفته وهذا أشرف الأعمال التي يرضى الله عنها وأقبح الأعمال عمل من يفكر ويخطئ الذين يقدمون لله هذه العبادات التي هي خير العبادات ويتقربون منه بهذه الديانة التي هي خير الديانات”.
فإذن بالعلم يمكن أن يقف الإنسان على كل شيء لما هو في طاقاته ويسير قريبا من الإله في التعقل والمعرفة لذلك كان الغرض الوحيد للحياة في هذه الدنيا لتغليب الفكر والعقل على الحواس والعواطف. ويبرهن ابن رشد على إمكان تلك المعرفة بما تكنه قلوبنا من الشوق إلى تلك الحقيقة والتطلع دائما لمعرفته، ثم يندرج منذلك إلى التقرير أنه عرف الحقيقة في كثير من الأشياء وأنه قد استطاع الإطلاع عليها رغم ما دونها من العوائق لكن هذا اعتقاد من ابن رشد لم يكن له باعث سوى قوة الثقة بالعقل الإنساني والإعتراف بذاتيته والإشادة بمهنته في هذا الوجود ولا عجب في ذلك فهو في نظره قبس من تلك الحقيقة أو مظهر من مظاهره وناموس من نواميسها.
وابن رشد يعتقد بضرورية وجود العقل الإنساني وبضرورة وجود فيلسوف مهمته الوصول إلى الحقيقة، فالإنسانية والفيلسوف ضرورتان من ضرورات الوجود أو لازمتان من لوازمه لا يختلفان عنه في وقت من الأوقات فلا يخلو الكون من الإنسان كما لا تخلو الإنسانية من فيلسوف لأن الموجودات تسير في ذهنه معقولة حلضرة لايغيب منها شيء بحيث يسير ذلك الوجود وتصبح تلك الحقيقة عنده عقلا ولذلك أجاز الفلاسفة أن يؤولوا نصوص الشرعية لأنهم هم الذين يفهمون البراهين بنور الحقيقة التي حصلوا عليهاواحتوتها العقول. إذن فالعقل هو الكمال النوعي أو الأول للإنسان، فالإنسان يشترك مع الحيوان في الجنس ولكنه يختلف عنه بالخاصة النوعية للإنسان هي أن يكون عاقلا وقوة العقل هي صورة الإنسان التي تفصله عن بقية الحيوانات فالعقل هو كمال الأول للإنسان.
ونصل إلى نفس النتيجة عندما ننطلق من المبدإ الذي بمقتضاه أن القوة التي يمارس بها كائن معين فعله الخاص هي التي تشكل صورته أو كماله الأول وعندما نأخذ في الإعتبار أن الفعل الخاص للإنسان والذي يميز طبيعته هو التعقل سيكون عندئذ العقل هو صورة الإنسان بالضرورة مادام الفعل الذي يميز طبيعته يتم بفضل قوة العقل وإرادته ولكن هذه الإرادة محدودة لأسباب زمنية ومكانية في حين أن الإرادة الإلهية مطلقة وليس لله وقت أصلح من وقت آخر فكل الأوقات متساوية بالنسبة له فإذا وجد الله وجد فعله بالضرورة ومتى وجدت أسباب الفعل كاملة لا يجوز أن لا يوجدالفعل ومادام الله موجودا أزليا وكانت إرادته أزلية وقدرته كذلك ففعله وجب أن يكون على هذا الأساس أي فعلا أزليا قديما مادام الفاعل قديم أما تراخي الفعل عن الفاعل كما يرى المتكلمون فأمر لا يجوز، وما دام الأول قديما ولا مجال لتصوره حادثا من الأولى أن نضع فعله قديما مثله لأنه لايمكن الفصل بين وجوده وبين إرادته وقدرته. ويرى ابن رشدأن مفهوم الحدوث والقدم مفهوم خاطئ عند ابن سينا والمتكلمين لأنه مأخوذ من الشاهد فقط ذلك أنهم يفهمون من الحدوث من شيء وفي زمان وبعد العدم وهذا كمايقول ابن رشد ينطبق على أجزاء العالم فهو لا ينطبق على العالم ككل فالحدوث المنسوب إلى أجزاء العالم قوامه التغير والتحول فهو مرتبط بالزمان أساساوالفعل الصادر عن الله ليس ينبغي ربطه بالزمان إطلاقا، لأن من يساوق وجوده الزمان ولا يحيط به من طرفين يلزم ضرورة أن يكون فعله لايحيط به الزمان ولا يحيطه زمن محدد. ولهذا السبب سمى الفلاسفة العالم قديما تميزا له من الحدوث المنسوب إلى أجزاء العالم والأولى في نظر ابن رشدأن يوصف العالم ككل بكونه دائم الحدوث ويلاحظ ابن رشد أن إصرار المتكلمين على قياس الأحداث المنسوبة إلى الله على الحدوث الذي في الشاهد جعلهم ينزلون الإله في مرتبة الإنسان ويقول في التهافت :” ذلك أن المتكلمين إذا حقق قولهم وكشف أمرهم مع ما ينبغي أن يكشف ظهر أنهم إنما جعلوا الإله إنسانا أزليا ذلك أنهم يشبهون العالم بالمصنوعات التي يكون من إرادة الإنسان وعلمه وقدرته فلما قيل لهم أنه يلزم أن يكون جسما قالوا إنه أزلي وإن كل جسم محدث يلزم من ذلك أن يضعوا إنسانا في غير مادة فعالة لجميع الموجودات”.
والسؤال المطروح هو إذا كان إرادة الله مطلقة فهل بإمكانه أن يفعل ضدين على الصواب؟
يجيب ابن رشد أن الإرادة لا تنفصل عن العالم لذلك فالفعل الأول فعل حكيم يتعلق بالأصلح على الدوام ويخلق الله أفضل الأشياء سواء بالنسبة للأشياء بذاتها أو بالنسبة للإنسان فحركة الأفلاك مثلا مبدأ تخصصها منها بالذات ولا يجوز أن تتحرك حركة أخرى فالجهة التي اقتضتها طبيعة الجرم هي أفضل الجهات لكون هذا الجرم أفضل الأجرام و الأفضل في المتحركات واجب أن تكون له الجهة الأفضل إذن فلكل فعل حكمته الخاصة حتى إذا لم تتبين لنا ذلك الحكمة أو الغاية المقصودة منه. فالفعل بما أنه صادر عن فاعل حكيم أو يرتقي في صدوره إلى فاعل حكيم لا يمكن أن يكون أي فعل قد اتفق ولا يمكن للعالم أن يكون أي عالم. هنا يختلف ابن رشد مع المتكلمين من خلال مقولتهم بإمكانية إيجاد عوالم أفضل فالإنطلاق من الفعل لا يعني تحديد الإرادة وإنما يعني وضعها في إطارها الصحيح وربطها بالقدرة والعلم ربطا منطيقيا لا ربط تحكميا لمجرد افتراضها إلى متناهية فالله يدرك المتقابلات والأضداد ويختار بعلمه الأفضل والأصلح سواء بطبيعته أو بطبيعة الشيء الموجودوهذا يذهب بنا إلى طرح إشكال وهو هل يعلم الله الجزئيات أو يعلم الكليات فقط؟
فالقول بأن الله يعلم الجزئيات (وهذا رأي المتكلمين) يؤدي إلى القول بتغير علم الله وبالتالي إلى حصول التغير في ذاته ولهذا قال الفلاسفة وخاصة الفارابي أن الله يعلم الكليات فقط وهو قول ثار ضده النصيون لأنه يؤدي في نظرهم إلى إسقاط الجزاء والعقاب على أفعال الإنسان وهي كلها جزئيات ويعتبر ابن رشد وابن سينا أن هذه المشكلة زائفة لأنها نتيجة لقياس الغائب على الشاهد أي قياس علم الله على علم الإنسان. ويقول ابن رشد في هذا المجال:” إن علمنا معلول للمعلوم به فهو محدّث بحدوثه ومتغيّر بتغيّره وعلم الله بالوجود مقابل لهذا فإنه علة للمعلوم الذي هو الموجود فمن شبه أحد العلمين بالأخر فقد جعل ذوات المقابلات واحدة وذلك نهاية الجهل”.
إذن فالقول بأن الله لا يعلم الجزئيات لأن ذلك يوجب تغيرا في ذاته قول خاطئ لأن الشيء الذي أسبابه كثيرة كثير وأما الشيء الذي معلولاته كثيرة فليس يلزم أن يكون كثيرا لأن الله هو علة لكل شيء.وأصل الخطإ في ذلك أن المتكلمون يفهمون العلم فهما عاميافيجعلون إدراك الأشياء موصوفة بعضها إزاء بعض في حين أن العلم على الحقيقة هو إدراك النظام والترتيب الذي في الأشياء. والنظام والترتيب الذي في العالم تابعان لنظام وترتيب في العقل الإلهي (الفكر الإلهي)إذن فنظام الترتيب الذي في عقولنا تابع للنظام والترتيب الذي خلقه الله في الطبيعة. لذا فإن علم الإنسان يظل ناقصا باستمرار أما العلم الإلهي فهو تام، وليس يقال فيه أنه جزئي ولا كلي لأنه منبع جميع النظام في العالم. فالعلم الإنساني متعدد وناقص من جهتين:
أولا : من جهة الحس والخيال وهي ثوابت يمكن أن تعطل العلم الإنساني
ُانيا : من جهة تعددها بتعدد الموجودات.
في حين أن العلم الإلهي الأزلي لايكون ناقصا بوجه من الوجوه ولا يوجد فيه علم بالقوة لأن العلم بالقوة علم في مادة (هيولة) والعلم الأول (الإلهي)يجب أن يكون علما بالفعل، لذا لا يجوز أن يوصف بأنه كلي أو جزئي لأن الكلي والجزئي معلولان عن الموجودات وكلا العلمين كائن فاسدفعلم الله ليس مجدودابحدود ولامنفصلا بعضه عن بعض فهو لا نهائي وغير محدد.
فإذا انتفت الكلية والجزئية في ذلك العلم ومعلولاته كان العلم عبارة عن إحاطة مطلقة. وهنا يعترضنا إشكال آخر ، فقد أنكر المتكلمون والغزالي قول الفلاسفة بالسببية. لأن العلاقة الضرورية بين الأسباب والنتائج تؤدي إلى الحد من إرادة الله وإلى إبطال المعجزات. والسؤال المطروح هو: هل للأشياء خصائص و صفات وطبائع توجب بالضرورة أفعالا ومؤثرات معينة؟ أم أن الله هو الفاعل المباشر لكل ذلك دون وجود شروط ووسائط؟
للإجابة على هذه الأسئلة يعتبر المتكلمون أن الفعل هو الإبداع والإختراع من عدم مادام القادر على الإبداع والإختراع من عدم هو الله فقد جعلوه الفاعل المباشر والحقيقي لكل مفعولات الأشياء منكرين أن تكون للأشياء طبائع توجب لها فعلا محددا ضروريا إذ الأشياء لا قدرة لهاعلى الفعل والتأثير، والجسم لا يستطيع أن يبدع جسما آخر، أو يختلع فيه حالا من أحواله مثال ذلك يمكن للنار أن تحرق بذاتها ومانرى من اقتران بين هذه الأسباب وتلك النتائج إنما هو اقتران ترسّخ في الأذهان بفعل العادة دون أن يبرر ذلك إسناد قوة فعل ذاتي للأشياء وفي ذلك يقول الغزالي:”قد يدعي الخصم (الفلاسفة) أن فاعل الإحراق هو النار فقط وهو فاعل بالطبع لا بالإختيار فلا يمكنه أن يكف عما هو في طبعه بعد ملاقاته لمحل قابل للإحتراق وهذا ما ننكره بل نقول أن فاعل الإحتراق بخلق السواد في القطن وتفريق أجزائه وجعله رمادا هو الله مباشرة وليس النار فإن النار – وهي جماد- لا فعل لها فما الدليل على أنها الفاعل؟ وليس لهم دليل إلا المشاهدة فالمشاهدة إنما تدل على حصوله بها فما الدليل على أنه لا علة سواه؟” إذن فالفعل المباشر للإحتراق حسب الغزالي هو الله بغير وسط (واسطة) ويرد ابن رشد على الغزالي في هذه المسألة ردا مفصلا ويعالج مشكلة السببية على الصعيد المعرفي و الأنطولوجي.
13-11-2007
الصعيد المعرفي:
يرى ابن رشد أن المعرفة مبنية على القول لأن المعرفة بالمسببات لا تكون على التمام إلا بمعرفة أسبابهافرفع هذه الأشياء هو مبطل للعلم ورفع له لأن الحد والتمييز بين الأشياء والبرهان كله يتوقف على مبدإ السببية، ويناقش ابن رشد فكرة العادة فيتساأل هل هي عادة الفاعل أي الله. وهذا محال في حقه لأن العادة ملكة مكتسبة بالتكرار، والله منزه عن ذلك أم هي عادة الموجودة وهذا غير جائز لأن العادة لا تكون إلا لذي نفس وإذا كانت لذي نفس وهي طبيعة. والمتكلمون خاصة الأشاعرة منهم يرفضون القول بالطبائع أما إذا كانت العادة هي عادتنا نحن في الحكم على الموجودات فإنها ليست شيئا اكثر من فعل العقل، وإذا فهمنا العادة بهذا الشكل كانت هي مبدأ السببية أما إذا كانت العادة هي الحكم على الموجودات فإن ذلك سيؤدي إلى إنكار الوجود الموضوعي للأشياء لأن الأشياء لا يصح وجودها إلا بارتباطها. والقول بأن هذا الإرتباط يرجح إلى العادة يجعل الموجودات كلها وضعية أي مجرد مواضعة واصطلاح.
الصعيد الأنطولوجي
يرى ابن رشد أن العالم عبارة عن أسباب ومسببات لا غير، وهذا النظام والترتيب الذين نلاحظهما في العالم هما تابعان للنظام والترتيب الموجود في العقل الإلهي. وبإدراك الإنسان للأسباب والمسببات أي بوقوفه على ذلك الترتيب والنظام يكتسب العلم والمعرفة رغم أن المعرفة البشرية تبقى دائما ناقصة لأن الإنسان لا يستطيع الإحاطة بجميع الترتيب والنظام الموجود في العالم. ومن هنا يكون حكم الإنسان على الأشياء ضروريا صادرا عن معرفة الأسباب ويكون ظنياإذا لم يبني على أسباب خصوصا وأن إنكار السببية يؤدي حتما إلى إنكار السبب الأول. فمن جحد بوجوب ترتيب المسببات على ى الأسباب في هذا العالم فقد جحد الصانع الحكم لأن انتظام الحوادث في الكون هي التي يدركها العقل وهي التي ترشد هذا الأخير إلى حكمة الصانع وتدبره لذلك يقول ابن رشد:” من رفع الأسباب رفع العقل” إذ ليس العقل شيئا آخر غير ملكة طبائع الأسباب وحدودها(التعريف، العلل،النتائج)ويتأسس هذا القول على تصور معين للوجودوالموجودات فلكل موجود صفة خاصة به أو بجنسه بها يعرفهالعقل وهي التي توجب له فعله الخاص به. فالنار مثلا صفتها توجب لها فعل مخصوص هو الإحراق وإذا أنكرنا هذه الصفة أو الخاصية فإننا جوزنا أن النار تروي والماء يحرق، وهذا من المحالات العقلية لأن موقف المتكلمين من الفعل يعني لهم الأختراع والإبداع من عدم. وهو مالا يستطيعه غير الله في حين أن الفلاسفة لا يعدون الفعل إبداعا من عدم، وإنما نقل شيء كان موجودا بالقوة إلى الوجود بالفعل، يرى الفلاسفة أن الوجود نوعان:
وجود بالقوة ووجود بالفعل.
فالشيءيكون موجودابالقوة إذا كان في حال الإمكان والقابلية فإذا تحقق الإمكان والقابلية وجد هذا الشيء بالفعل، وبذلك يكون الوجود بالقوة قابلية وإمكان، والوجود بالفعل تحقق. فالخشب هو طاولة بالقوة لأنه قابل أن يتحول إلى طاولة ثم إن هذه القوة تنفصل أو تقع بقسميها إلى قوة بعيدة وقوة قريبة.
* فالقوة القريبة هي التي لا تفتقر لغير فعل واحدللخروج إلى الفعل مثل قوة التسخين الموجودة في الحرارة.
* والقوة البعيدة هي التي تحتاج إلى تهيئة مثل البذرة فهي نبات بالقوة البعيدة وتسير بالقوة القريبة نباتا متى تهيأت لها الظروف.
إذن علينا أن نميز بين الوجود بالفعل ووجود بالقوة لأن الوجود بالقوة تنفصل فيه المادة بالصورة والوجود بالفعل هي التي تقترن عليه الصورة بالمادة. وعلى هذا الأساس فالفاعل لا يخرج شيئا من عدم إنما هو يقوم بعملية النقل من القوة إلى الفعل، إذن فالفاعل لا يبدع ولا يخترع بفعله شيئا من عدم بل ينقل موجودا بالقوة إلى الفعل أي يقرن مادة بصورة قابلة لها كالنجار الذي يضفي على مادة الخشب صورة الطاولة لذا فإن القول بالسببية لا يلغي حرية الإرادة البشرية، لكن تلك الإرادة تتحقق عند مواكبة الأسباب. فالإنسان هو كائن عامل، والعقل إذا أدرك الأسباب أصبح قادرا على تحقيق إرادته وحريته وبالتالي كلما زاد على الإنسان زادت حريته وتحققت إرادته، لأن من لم يقف على مصنوعات أو موجودات الله لم يقف على حكمته إذ أن الإطلاع على تلك الحكمة أمر وارد في الشرع ويمكن للعقل الإنساني أن يطلع على نظام وترتيب هذه الموجودات ومعرفة أسبابها ومسبباتهاورفع هذه الأسباب مبطل للعلم.
ويرى الفلاسفة أن الفعل لا علاقة له بمبدإ خارج عنه، وهنا نقف إزاء مشكلة المعجزات فهي حسب المتكلمين خرق للأمر الطبيعي اي خرق للفعل الطبيعي. فالمعجزات أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية فلنا أن نعترف بهامع جهل أسبابها، وهي من الأمور التي تثبت بالشرع ولا حاجة للإنسان في تفسير هذه الأمور أو تأويلها. فالمعجزة استثناء للقانون ومادام الله يريد إبراز معجزة ما فما عليه سوى استبعاد القانون أو طرحه جانبا. أما الراسخون في العلم فلهم تفسير آخر للمعجزة، فحدوث أمر المعجزة تحقيق لإمكان موجود في ذات الفعل تحقق حين خرج من القوة إلى الوجود(الفعل)أو من الكمون إلى الظهور، إلا أن هذه الإمكانات لا نهاية لها ولا يعرف الإنسان منهاإلا ما تحقق .هذه الإمكانات اللا متناهية لا تعرف كلها إلا في ذات العارف الأول، فإذا كانت الإمكانات بهذه الصفات مرتبطة بالفعل وإذا أراد الله إعطاء عمل أو فعل صفة معجزة فليس له إلا أن يبرز إمكانات لم يسبق أن تحققت قبل ذلك، مثلا الإمكانات التي في النار هي إمكانات لا مجال لنا للإحاطة بها كاملا وهذا لا يدل إطلاقا على استنفاتها أو كونها انتهت. فالمعجزة هي إخراج قسم من هذه الإمكانات من حيز الوجود بالفعل، فهي فعل من أقسام الفعل المتعددة تظهر في وقت ما لحاجة الشرع لها لإثبات مواقف أو التدليل على قوة الله لذا فالعلم الذي يعلمه الإنسان هو علم بالفعل لارتباطه بموجودات تحققت بالفعل، لذلك يبقى هذا العلم محدوداوجزئيا حسب جزئية القابل له لأن الفعل الذي تحقق هو تحقيق لإمكان جزئي والإمكانات لا حصر لها ولها في علم الفاعل الأول وجود لا نهائي. وجل ما نعلمه هو ما قد تحقق من هذه الإمكانات أي ما انتقل منها من طبيعة القوة إلى طبيعة الفعل رغم أن الفعل الإنساني والمعرفة الإنسانية نسبية إلا أنها تبقى في هذه الدنيا أشرف الأفعال لأنها أشرف الأنواع، ففعل النفس الإنسانية هو التأمل في الصنائع والتفكر في البدائع . يقول ابن سينا في ” أسرار الحكمة المشرقة”: ” فوجه الإنسان إلى العالم الأعلى فلا يحق المنزل الأسفل والموقع الأدنى…بل فعله انتظار كشف الحقائق بذهنه الصافي في إدراك معاني الدقائق فتميز عن الأرواح بالنطق الكامل والفكر البالغ همه في جميع عمره تصفية المحسوسات وإدرام المعقولات خصها الله تعالى بقوة مانال أحد من سائر الأرواح مثلهاوهي النطق. إذن نلاحظ أن المعالجة الفلسفية لمقولة الفعل تختلف عن المعالجة الكلامية فوقوع فعل مالا يتوقف على وجود فعل فقط بل يستلزم بالإضافة إلى ذلك وجودمادة وصورة وغاية فلولا الغاية لما أريد الفعل والغاية تارة تكون بالفعل وتارة تكون بالقوة. فكل فاعل بالإرادة، فالغاية في نفسه وكل فاعل من القوى الطبيعية فإنه مسخر لذلك الفعل.
ويبين ابن خلدون العلاقة بين العقل والفعل الإنساني بقوله:” إعلم أن عالم الكائنات يشمل على ذوات محضة كالعناصر وآثارها والمكونات الثلاثة عنها التي هي المعدن والنبات والحيوان وهذه كلها متعلقات القدرة الإلهية ثم على أفعال صادرة عن حيوانات واقعة بمقصودها متعلقة بالقدرة التي جعلها الله لها فمنها منتظم مرتب وهي الأفعال البشرية ومنها غير منظم ولا مرتب وهي أفعال الحيوانات غير البشر”[2].
نفهم من كلام ابن خلدون أن الحوادث نوعان:
-ذوات وهي المخلوقات جسمانية كانت أو روحانية
-أفعال وهي أفعال المخلوقات لأن كل حادث من الحوادث ذاتا كان أو فعلا فلا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله.
*أما الأفعال البشرية يقول: إن الإنسان إذا شرع في فعل يوجد به شيئا ما بدأ بالمبدإ الأخير الذي انتهى الفكر إليه وهذا معنى قول الفلاسفة ” أول العمل آخر الفكرة وأول الفكرة آخر العمل” فلا يتم فعل الإنسان في الخارج إلا بالفكر في هذه المرتباتلتوقف بعضها على بعض ثم يشرع في فعلهاوأول هذا الفكر هو المسبب الأخير وهو آخرهافي العمل وأولها في العمل هو المسبب الأول وهو آخرها في الفكرة ولأجل العثور على هذا الترتيب يحصل الإنتظام في الأفعال البشرية مثلا لو فكر إنسان في إيجاد سقف يحميه انتقل بذهنه إلى الحائط الذي يدعمه ثم إلى الأساس الذي يقف عليه الحائط وهو آخر الفكر. ثم يبدأ في العمل بالأساس الذي يقف عليه الحائط، ثم الحائط، ثم السقف وهو آخر العمل” إذن تنتظم المبادئ حسب ابن خلدون في تسلسل يجعل بعضها يتوقف على بعض حيث يكون أحدها مقدما و الأخر تاليا وفي مثال عمل البناء المتمثل في بناء السقف العلاقة بين المقدم والتالي هي علاقة سببية متسلسلة تأخذ الإتجاهين متعاكسين على الصعيدين (الفكر والإنجاز ).
* الأفعال الحيوانية: ليس فيها انتظام لانعدام الفكر الذي يعثر به الفاعل على الترتيب فيما يفعل إذ الحيوانات إنما تدرك بالحواس ومدركاتها متفرقة خالية من الربط لأنه لا يكون إلا بالفكر ولما كانت الحواس في عالم الكائنات تبعا لها اندرجت حينئذ أفعال الحيوانات فيها وكانت مسخرة للبشر واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث فكان كله في طاعته وهذا معنى الإستخلاف المشار إليه من قوله تعالى : “إِنِّيْ جَــــاعِلٌ فِيْ الأَرْضِ خَلِيْفَةً ” فهذا الفكر هو الخاصة البشرية التي تميز بها البشر عن غيره من الحيوان وعلى قدر حصول الأسباب والمسببات في الفكر مرتبة تكون إنسانيته.
20-11-2007
المحور الثاني : الفعل الإنساني في الفلسفة الحديثة
تعتبر الفلسفة الحديثة الفعل المحرك الأساسي لصيرورة الحياة الإنسانية به يتحدد وضع الإنسان في هذه الدنيا، لذا كان وما زال الفعل موضوعا قابلا للتأمل ومبحثا رئيسيا من مباحث الفلسفة. فما الفعل؟ وماذا يتطلب الفعل حتى يكون الفاعل مسؤولا؟ وهل يأتي الإنسان الفعل طوعاأو كرها؟ وهل أن السؤال في الفعل هو سؤال في ضده وفي الإقتدار عليه؟
يعد الفعل الإنساني بمثابة التجسيد الواقعي لحياة الإنسان فكل ما من شأنه أن يحقق الإتصال بين الأفرادفي المجتمع الواحد وبين المجتمع المختلفة. وكل إنجاز ثقافيوحضاري يحققه الإنسان عبر تاريخه ليست إلا مظاهرللفعل الإنساني تأخذ أشكالهاالمختلفة باختلاف الضرورة المحيطة بهاوباختلاف العوامل المساهمة في تكوينهاوبذلك يشمل الفعل الإنساني مختلف النشاطات التي يمارسها الإنسان سواء البسيطة منها أو المعقدة بدءا من العمليات العقلية على المستوى الذاتي والتي ترمي إلي تحقيق مستوى بسيط من التكليف مع المحيط ومرورا بتعزيز الصلات الإجتماعية إلى تطوير النظم الأخلاقية والسياسية والإجتماعية إلى غير ذلك. ويعود إهتمام المفكرين والفلاسفة بالقضاياالمرتبطة بالفعل الإنساني إلى محاولات عديدة لفهم طبيعة الإنسان وما يتميز به من خصوصيات تمكنه من ممارسة الفعل على نحو إرادي قائم على الإرادة.
إذن فالمعرفة والإرادة بمثابة المدخل الرئيسي لتفسير تعدد أشكال الفعل التي لا تنفصل في جوهرها عن خصائص الأفراد المكونين للمجتمع، فإذا كان الفعل إستجابة حقيقية في ظروف الواقع المحيط فإن ذلك ينطوي على حقيقتين:
الأولى : إن الواقع الموضوعي يلعب دورا مثيرا هو المحرر إلا أنه لايجدد نمط الإستجابة أو شكلها
الثانية : تلعب الخصائص الذاتية دور الموجه والمحدد لمسار الإستجابة وطريقها لذا تختلف أشكال الفعل الإنساني باختلاف مجال الفعل في لحظة تحقق واختلاف الصفات بين الأفراد. الأمر الذي يظهر جلياباتساع الفروق بين الناس على الرغم من أنهم جميعا يقومون في طبيعتهم على خصائص متماثلة في إطلاقها إلا أنها تتبين في محدوديتهاالأمر الذي يستحيل معه وجود شخصين وقد تطابقت بينهما الخصائص.
إن تحديد طبيعة الفعل الإنساني يعود إلى الصفات الذاتية للفاعل وتنوع الواقع الإجتماعي والإريباط مع الأخرين، يقول A Touraine في كتابه Le retour de l acteur ed foyard 1984 page 16 “إن الإنسان يمتلك عنصر المبادرة بالفعل وفي نفس الوقت له ارتباط بالأخرين وهذا يدل على وجود علاقة جدلية بين الذات والواقع الإجتماعي الذي يحي فيه الإنسان فالفعل البشري هو بالضرورة عقلانية دائما”. وأن تكون عقلية حسب رأيه هو القيام بنشاط إرادي ومتعمدأي المحاولة الإرادية لتحقيق هدف ما فالسلوك الوحيد غير المتعمد هو السلوك الإنعكاسي اللا إرادي لذا وكتحصيل حاصل فإن جميع الأفعال البشرية هي عقلانية فنحن نحكم على الفعل بطريقة أخلاقية عندما نقول بأنه غير عقلاني ونعني بذلك أنه سيء أو مخالف لهدف. فالفعل الإنساني الواعي هو على نقيض مع السلوك اللا شعوري أو اعكاسات والإستجابات لا شعورية لخلايا الجسم والأعصاب.
ويمكن أن نسمي الفعل الواعي والإرادي حسب توراين بالفعل أن لا موجه فهو يشكل مجالا للإبداع والحرية في مقابل القيم والمعايير والمراقبة وهذا لا يعني أن الإنسان غير مندمج لأن الرفض نوع من الإندماج المختلف الذي يحقق معاييرا جديدة أو نظاما جديدا “فالمسافة الفاصلة التي يتخذها الفاعل بالنظر لتنظيم المجتمع لا يجب أن تجعله منغلقا على ذاته بل تهيأت عودته بالفعل وحمله على استثمار نفسه داخل حركة إجتماعية أو داخل تجديد ثقافي” وهنا يختلف توراين مع الفلسفة الكلاسكية التي تختزل الفعل داخل النسق والبحث عن موقع الفاعل في النسق فهي مرتبطة بمعايير وقيم أخلاقية وشرائع لكن الفلسفة الحديثة ستبدل تبعية الفاعل الكلية للنسق بالتبعية المتبادلة بينهما فأصبح الفاعل حسب J Hermean في كتابه Le languages dela” sociologie p u f Paris 1988 p 102 “ أصبح الفاعل متحررا من إكراهات الوسط السوسيوثقافي فالفاعل لايجب أن يكون كليا خارج تحديدات النسق بل يخضع إلى المنظومة الإجتماعية نسبيا دون أن تسلبه حريته ووعيه فهو يملك القدرة على أن يكون فاعلا في الثقافة التي يستنبطهاويملك القدرة على مراقبة فعله وتوظيف القواعدوالإكراهات ضمن هدف ما، فالمجتمع هو نتاج الفعل المبدع والمجدد والحر فلا يمكن احتزال الفعل الإنساني في سلسلة من الحاجات والغرائز أو مثير واستجابة فكل فاعل يهدف ألى تحقيق نتيجة تبعا لهدف ولتنظيم غائي. فالفعل يكشف عن اختيار قصدي من بين متعدد الغايات بالنظر إلى الوسائل المتاحة وموجها من قبل رغبة هادفة.
إذن فالخاصية الأولى للفعل هي قدرته على الفتح الذاتي على الأخر مع أنه فعل تطلع به الذات وتتحمله ويعود إليها طبيعاته. فالفعل يظل فعلا فرديا حتى وإن أدى إلى استتباعات كلية وبما أنه يعود إلى ذات أن تفعل فإنها تكشف ذاتهافي الفعل الذي تقوم به إذ هي تقصد الوصول إلى هدف والتمكن من غاية. وفي هذا المجال تقول Hannah Arent في كتابه Condition de l home modern p 231 القصد الأول للفاعل في كل فعل سواء أقام بالفعل إراديا أو بضرورة طبيعية هو إبداء لصورته الخاصة. فالفعل الإنساني ليس عائدا إلى تصميم الذات واختيارها فقط بل هو مرتبط أيضا مع الآخر ومع العالم الذي يغيره فقدرة كل واحدعلى الفعل تجد في وجود الآخر حدا لها. فالفعل يظهر وحدة الحركة المشتركة بين الناس وبينهم وبين العالم، وتغير الأوضاع واستمرار النشاط الإنساني لا تسمح لفهم الفعل وكأنه نشاط للذات الإنسانية في عالم منفصل عن حاجتها وعن قواها الإدراكية وعما يسميها من ضوابط وإمكانات وقدرات فالفعل والفاعل ودواعي الفعل ووسائله وأهدافه وشروطه وإمكان القدرة عليه كلها مترابطة فالفعل قط لا يتم في العزلة وإن كان إظهارا للفردية وانتسابا للشخص الفرد. فالإنسان الحر هو الذي يفعل ويتكلم وينخرط في العالم لا منطوي على ذاته والمنشغل بتحصيل القوت والمحافظة على الحياة يقول M Blonde في كتابه L action p u f Paris 1963 Tome I p 196 الفعل كالسيف القاطع يفتح للبصر ممرا حتى في الأعماق المظلمة أين تتهيأكبرى تيارات الحياة الباطنة وعبر الشباك الضيق للوعي يكشف لنا الفعل على خلفية هذا العالم المعقد الذي هو نحن آفاقا لا نهائية إنه يحدد باستمرار نبع الفكر والحرية أيا كانت التناقضات والصراعات الحميمة.
إذن يفتح الفعل الحياة الفردية ويفتح ممرا للفاعل في صلب الحياة الإجتماعية وفي العالم. إذن لايتمثل الرهان في وجوب الفعل وفق قانون إجتماعي أو أخلاقي أو غير ذلك بل في الإستطاعة على الفعل والقدرة عليه بالممكنات الإنسانية ففي هذه القدرة تتشابك العلاقة بين الفاعل وبواعث الفعل وأسبابه وغايته وبين الأخرين. فالفعل يبحث عن تحقيق هدف أو المساهمة في إنجاز أثر فهو مخاطرة ومبادرة وعملية تحقيق ماهو جديد يقول J Paul Porte في كتابه Lahier pour une morale في معرض حديثه عن الفعل ” التاريخ يدرس فعل الإنسان في العالم وفي العالم في الإنسان ورد الإنسان والعالم على الفعل الأول فالفعل مقولة أساسية في التاريخ” فالفعل الباحث عن معنى هو الفعل الإنساني الذي يواجه الصعوبات المتولدة من الصراع بين الأفراد والشعوب وبالتالي إذا كانت الشرور والأفعال القبيحة متولدة عن الإنسان فالإنسان ذاته بأفعاله الجميلة بإمكانه القضاء على شرية الأفعال.
إن التباس الوضع البشري وعرضيته وعدم اكتماله هي التي تحرك الفعل التغييري إذ لو كان الإنسان فاضلا بالتمام ولو كان العالم خيرا جملة لما كان ثمة ضرورة، لا للفعل ولا لتقويمه أو الحكم عليه وإذا كان الإنسان هو الكائن الذي يفعل ففعله هو الإعتراض بنقصانه، لكن لايجب أن نعتبر أن هذا النقصان سلبي إلا أن نتأول مرادفا للعجز والوهن، ولكن يجب أن نعتبره مرادفا للمبادرة والفعل كحركة. فالفعل الحركة الدالة على حضور الفعل الذي يغير ذاته بفعله وهو ما يسميه بالفعل المحايف. فالفعل نتعلم من نكون وكيف نكون إزاء الآخرين وإزاء ذاتنا؟ فهو في نفس الوقت قدرة على التغيير والتغير وفق الأحوال والظروف والمعيقات. يقول Paul Ricour في كتابه Philosophie dele volente “يشارك الفعل في تقدم الوجودي ووجود العالم فما يحدث يحدث في الحاضر وما أفعله أفعله في الحاضر لكنه يحدث أثرافي المستقبل” فالحاضر يشكل أصلا للماضي وممرا للمستقبل فقوة الحاضر هي التي توجه إغراءات الماضي التي تولد حسب Nitzsche في كتابه Seconde consideration interprestice ” * الوهم في عصر ما على أنه يمتلك أكثر من أي عصر آخر أرقى الفضائل.
· تنمية الشعور بالعقم وتعزيز الإحساس بالتنعية إزاء مافات وانقضى. ويقول نيتشيه : نحن في حاجة إلى التاريخ من أجل أن نحي وأن نفعل وليس من أجل أن نتخلى كسلا عن الحياة والفعل.
[1] الصافات 96
[2] المقدمة لابن خلدون







مشكيل يا أخي أن أقرأ هذا…طويل…جدا
[...] sebagian kalangan yang menilai diskursus tasawuf itu terlalu lancip bagi orang pada masa kini. Apa itu tasawuf saya ambil terma yang paling sederhana dan mudah dari thariqat [...]
Iya nih, seperti masbadar, saya ngerasa tulisan tuh kepanjangan. Saya print ngabisin 6 kertas. Tapi sudah saya pelajari tadi sore. Bagus..
Dear @Hafily!
Smg tulisan yang saudara print bermanfaat bagi semua…
Tulisan tersebut saya minta dikiremkan dari teman di Tunisia,Afrika… yang sedang melanjutkan S2..
hmmm….sipss,,,keren taht lagooooooe…yayya..